طارق الشريف طارق الشريف
طارق الشريف مدير الفنون الجميلة , وزارة الثقافة
رائد فن الألوان المائية في سوريا

حقق وليد عزت حضوراً متميزاً في الحركة الفنيّة في سورية، فقد تألّق بموهبته الفنيّة وأصالته إلى مستوى لا يُجارى، فأجمع النقّاد في سورية والعالم على اعتباره بحق (فنان الألوان المائية الأول في سورية).
لا تنبع أهمية عطاء وليد عزت من تراكم زمني واجتهاد طويل، لأن حياته كانت قصيرة كالومضة، لكنها كانت نموذجاً لأولئك الذين عاشوا ويعيشون في سباق مع الزمن. يتمحور إنتاج وليد عزت الفني في السنوات العشر الأخيرة من حياته، وهي سنوات مشبعة بالبحث والتجريب والعطاء، فقد قام الفنان بتطوير القدرات التعبيرية للألوان المائية، إلى أن توصّل بها إلى نمط حديث من التعبير الفني ذي طابع متميّز، خاص به وحده. لقد قسم بعض النقاد نتاج وليد عزت إلى مراحل، والحقيقة أن هذا النتاج الفني يخضع إلى تسلسل منطقي ومتّزن في تطوره يضفي طابعاً واحداً على مجمل أعماله.
كانت بداية وليد عزت الفنيّة في رسم الوجوه الشخصية والمناظر الطبيعية. لقد تمتّع الفنان منذ البداية بالقدرة على المعالجة المتأنية الهادئة الماهرة، وأبدع في تقديم الملامح الفردية بدقة، وكذلك فعل في المناظر الطبيعية الأولى، إذ اقتربت دقة معالجته من دقة الألوان الزيتية. وقد عمد الفنان إلى تغطية المساحة بالألوان، واقترب من الواقع المرئي ما أمكن وعالجه بشكل تقليدي. كانت هذه المرحلة هامة جداً بالنسبة له حيث اكتسب الخبرة، واستطاع أن يجعل الألوان المائية طيّعة له، تنفّذ ما يريده منها.
حفزت هذه البداية الواقعية الفنان فيما بعد على تجاوزها، فانطلق في العام 1968 في رحلته مع العالم الداخلي للإنسان، تساعده في ذلك غزارة دائرة ألوانه، وحرية تحرك ريشته. لقد أدرك أن المظاهر تتواصل مع العالم الداخلي، وتتفاعل معه ليشكلا معاً العالم الإنساني-الروحاني. بحث وليد عزت عن الوسائل الملائمة ليعبّر عن الحالات الإنسانية المتغيّرة، وأغنى تجاربه المتجددة بواسطة الألوان المتحركة. كان وليد يضع ورقة الرسم في الماء قبل الرسم عليها أو بعده، لتحرّر الألوان من قيد الشكل الخارجي للوجه أو الطبيعة، وتتداخل لتعكس انتقاله من المرحلة الواقعية التسجيلية نحو (النقل الواقعي المتطوّر).يتحدث الفنان عن هذه المرحلة مؤكداً أنه (يجب التمييز بين ما هو نقل تسجيلي، وبين ما هو واقعي متطوّر الصياغة).

وهكذا تطوّرت صيxاغة جديدة للفن عند وليد عزت، وأصبحت اللوحة الفنية تعتمد بشكل كبير على قدرة الفنان الخاصة على إعادة تصوير موضوعاتها وفقاً للمبادئ الجديدة التي ميّزت بين الجمال الطبيعي للموضوع وبين إعادة تقديمه في اللوحة الفنية.التزم وليد عزت بهذه الطريقة في معالجة الطبيعة، فدخل في حوار مع ما في الطبيعة من أشكال وألوان، ثم أعاد تقديمها بطريقته المتفرّدة الذكية، لاغياً كل ما هو غير ضروري، مطوراً بذلك العلاقات الشكلية واللونية. وكذلك نراه يفعل حين يرسم الوجوه الشخصية، فقد راحت الوجوه تخضع لتبدّلات تتبع للحركة والانفعالات. اتجه الفنان إلى رسم الأشخاص بسرعة كبيرة، مقدماً بذلك حركتهم أو سكونهم بمهارة، ومستخدماً الخط واللون، تاركاً فراغات كبيرة غير مرسومة، بأسلوب مبتكر غير مسبوق. أصبح هذا الأســـلوب من الرسم المائي وسيلة التعبير الأساسية في لوحاته التي رسمها في مقهى (النوفرة) الشهير ، حيث يجلس عدد كبير من الأشخاص ليستمعوا إلى الحكايات الشعبية المشوّقة ويتفاعلوا مع أحداثها ومع انفعالات (الحكواتي).
وهكذا عاش الفنان تأثيراتٍ غنيّةً، تعكس الرغبـــة الكامنة لديه للتفاعل مع مختلف مظاهر الحياة الشعبية. وهكذا أخذت لوحات وليد عزت تزداد تميّزاً بالحيوية والحياة، معتمداً على وضع اللمسة السريعة وعلى حيوية اللون وإشراقته، فعكست شفافية اللون عالماً من الألوان المائية، وتناثرت بقع الألوان على اللوحة بعفوية عجيبة، وتحوّل الأشخاص رغم حركتهم وتعابيرهم إلى أجزاء من ألوان. فاللّون هو الجانب الهام الذي بدأ يعشقه ويوليه كل الأهمية. جدد الفنان بذلك المفهوم الواقعي، وأعطاه معنىً جديداً، ولّده رصْدُهُ لنبض الحياة، ولكل الأشكال المرئية، ولتحوّلاتها اللامتناهية التي لا يمكن أن تحدّها المفاهيمُ التقليديةُ المعروفة.     
أعطى وليد عزت أعماله الفنية بُعداً جديداً، لم يكن مألوفاً عنه، حين رسم مجموعة لوحاته عن ملحمة (جلجامش)، وذلك لأنه اعتمد على الخيال أكثر من اعتماده على الواقع، كما أنه اقتحم مجالاً لم يُسبق إليه. لقد استطاع وليد عزت توظيف التراث القديم في عمل فني جديد، مؤكداً بذلك الصلة الوثيقة في نفسه بين الواقع والأسطورة، وبين القديم والحديث. اطّلع الفنان على كيفيّة تصوير الفنون القديمة لشخصية (جلجامش)، وبخاصةٍ الرسوم المحفورة على الأختام الأسطوانية الموجودة في المتحف الوطني بدمشق، ثم قام برسم مجموعة لوحات متكاملة للملحمة، عكست قدرته على تطويع الألوان المائية للتعبير عن الموضوعات الأسطورية والدرامية والإنسانية. لم تكن لوحات ملحمة (جلجامش) ممكنة لولا بحوث وتجارب وليد عزت، والجهود الكبيرة التي كان قد بذلها ليطوّر الفن المائي
وليقدّم لنا لغة فنية جديدة تتمتع بالأصالة والتجديد معاً. لقد أدرك وليد عزت كمالاً لم يبلغه أحد قبله ووصل إلى سر اللون المائي، وأدرك أن اللمسة البسيطة قادرة على أن تعطي أقوى الانطباعات وأهمها.
لقد مسح وليد عزت لوحات العام 1971، وهو عام النهاية، بألوان تنذر بالعاصفة وأجواء تستمد خصوصيتها من الأساطير. أهي روح الكشف التي قادت وليد عزت إلى هجر الألوان التي تتفجر ضوءاً، أم هي كانت مجرد صدفة غسلت أعماله بألوان غامقة؟ لم يكن هناك ما يشير إلى أن وليد عزت سيرحل مع أساطير بابل وسومر في آخر يوم من أيام العام 1971 بعد مرض أودى به في لندن الباردة، بعيداً عن أرض الوطن الدافئة.    

وليد عزت كان فناناً مبدعاً تمتّع بالمقدرة على العطاء المتجدد، وإنساناً موهوباً أحب الفن، فارتقى به إلى مستوىً متميزٍ ورفيع. لقد ترك وليد عزت أثراً لا يُنسى في كل من عرفه، وشعر الجميع بالخسارة الكبيرة التي لا يمكن أن تُعوّض حين رحل وهو في فترة ازدهار العطاء الفني. لقد شابهت رحلة الفنان رحلة البطل (جلجامش)، فوليد عزت، مثل (جلجامش)، إنسان من الأرض العربية، غادر إلى عالم الموت وهو في عمر أبطال الملاحم وفي حيويتهم وفي تفوّق الإنسان فيهم، وقصته قصة الحياة المكثفة الزاخرة بالأعمال والمنجزات وقصة القلب الذي ينبض بالحياة والحيوية ثم يتوقف فجأة .. ليموت ..
 
   السابق | التالي