مجلة الأسبوع العربي أيار 1974 مجلة الأسبوع العربي أيار 1974
مقتطفات مما كتب على الفنان وليد عزت
وليد عزت ترك لنا هذه الملحمة
((مع رحلة الفنان وليد عزت في أساطير سومر وملحمة جلجامش)) هو الكتاب الذي أصدرته لجنة تخليد ذكرى الفنان السوري الذي غاب منذ حوالي 3 سنوات، وهو محاولة ناجحة للمزج بين الأسطورة في نصها وبين الرؤية التي نفذ الفنان من خلالها إلى عالم الأسطورة عبر لوحاته المائية في تصوراته الرائعة التي كانت من أواخر أعماله.
الآن يعود إلينا وليد عزت، الغائب الذي لم يغب. 
الآن يطرق الصيف أبواب سورية وتشرق الشمس من فوق حرمون، والغائب العائد مر ذات يوم فوق قمم الأمجاد وشهد قبل أن نشهد. رحل قبل تشرين وقد كان من الواثقين من تشرين. وهو الآن يبعث إلينا برسائله الملونة، في حنينه الدائم  إلى الماضي الذي يذهب.
لم تنقض بعد ثلاث سنوات على وفاة الفنان وليد عزت، ومع ذلك سجل الزمن على تلك المسافة محطة كبيرة للتذكر، ووليد عزت مازال حاضراً يبعث إلينا برسائله الملونة.
ذات يوم في أواخر 1971، بعث وليد عزت من لندن إلى أصدقائه في دمشق يقول إنه سيعود في أول يوم من السنة الجديدة، فعاد في آخر يوم من السنة القديمة ولكن محمولاً. كان المرض قد أثقل عليه، وهو يتنقّل بين دمشق ولندن للمعالجة وهو في صراع مع الوقت والمرض والمعاناة، فقضى في السابعة والثلاثين من عمره بعدما كتب صفحة بارزة في تاريخ الفن السوري والعربي الحديث.
هذا الجندي الفنان الذي تُقدّمُ إلينا اليوم لجنة تخليد ذكراه أولى ثمراتِ أعمالها عنه، كان يقول إن الرسم عنده هو أحيانا بمثابة القبض على اللحظات الهاربة، فكيف إذا كانت تلك اللحظات غارقة في ليل الزمان، كتلك الأساطير الذي بنى عليها رسومه في ملحمة جلجامش. يا لَذلك اللقاء في بعض رحلات الزمن!  سنوات وأجيال مكدسة في التاريخ قبل الميلاد تفتح بعضاً من صفحاتها، وتترك لعيني فنان من أرضها أن يتجول فيها ذات يوم ويقرأ مالم يقرأه سواه. 
جاء في الكلمة التي قدم بها اللواء مصطفى طلاس للكتاب:  ( ... كان آخر لقاء بيننا في بيتي في حضور السيدة مرغريت ماكاي، عضو مجلس العموم البريطاني وصديقة العرب، بالإضافة إلى العميد غازي أبو عقل. ولقد رأيته في ذلك اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى جَذَلاً وحبوراً، وكأني به كان يشعر شعوراً خفياً بأنه إنما يودعنا في هذه الجلسة.
جاء في ذات يوم العميد غازي أبو عقل وقال لي إن وليد معتكف على الساحل السوري يرسم لوحات مائية لأساطير سومر وملحمة جلجامش، وهذا العمل الفني سيكون أثراً خالداً دون شك.
وفي هذه المناسبة شكراً من القلب لوليد الذي جعلني وغيري نقرأ هذه الملحمة التاريخية ونتذوّق الرسوم الرائعة التي رافقت كل حدثٍ فريدٍ فيها.).
وليد عزت تخرج من الكلية العسكرية في العشرين من عمره العام 1954 ثم درس في جامعة دمشق وتخرج من كلية الآداب 1963. كان الرسم هواية ما لبثت أن طغت، فأخذ يشترك في معارض جامعة دمشق حيث برزت رسومه المائية، ثم انتسب إلى مركز الفنون التشكيلية في دمشق، وصار يشترك في كل معارضه. وبعدها اشترك في مختلف المعارض الموسمية، وفي المعرض المتجول في الاتحاد السوفياتي. لكنه أقام أربعة معارض فردية خلال الأعوام 1967 و1969 و 1970 و1971. وقد نال براءة تقدير من وزارة الثقافة تقديراً لنشاطه الفني العام 1968.
والكتاب الذي تقدمه اليوم لجنة تخليد ذكراه وهي اللجنة التي شُكلت بناءً على توجيه اللواء مصطفى طلاس الذي كان رفيقاً وصديقاً للفنان الراحل هو عمل يمزج بين الأسطورة المكتوبة والرؤية المعبرة عنها. إنه يقدّم هذا المزيج الناجح المتكامل المتجانس لأساطير سومر وملحمة جلجامش بالنصوص المعروفة عنها، وباللوحات المائية التي عبّر فيها وليد عزت عن رؤيته التاريخية تلك. ويكتشف قارئ هذا الكتاب الأنيق، كما اكتشف اللواء طلاس، كم لهذه الأساطير من بُعدٍ وعمقٍ إنسانيين كانا ربما أساس شغف وليد عزت بتلك الملحمة والأساطير.
وفي التقديم الذي كتبه قاسم الشواف وهو الذي قدّم النصوص جاء:  (في هذه المجموعة من اللوحات التي تركها لنا الفنان المرحوم وليد عزت نروي لكم معه قصة الإنسان، الإنسان في صراعه مع الأرض لجعلها تنبت، وفي صراعه مع الطبيعة يسخرها لبناء مجتمع.).
(إنها قصص من الأدب السومري القديم ومن الأدب البابلي. عاشها إنسان كل العصور، وهي أيضاً قصة البطولة والمغامرات، قصة الحب والصداقة وسبر كنه المجهول ... هذه القصص عاشها أبطال سومريون وبابليون من وطننا العربي القديم، آلهة وبشر، وتناولها وليد عزت في مجموعة من لوحاته فكتبها من جديد لوناً وحركة وشفافية، وغاب عنا وبقيت هي.). والأساطير من عمر الإنسان وعمر الزمان. الأرض والبشر والطبيعة ووجوه الناس وجلود الحيوانات والأنهر والأشجار والكهوف والغابات، وصراع الخير والشر. والآلهة هنا تتقبّل القرابين وتفصل بين البشر، في مراحل تذوب معها المسافات بين السماء والأرض، بين الجبال والبحور، وتضيع الملامح أحياناً بين الجمال والقبح.

لكن ملحمة جلجامش تعتبر من أكمل وأهم النصوص البابلية التي وصلتنا، كما جاء في الكتاب. فقد ضمت مكتبة الملك الآشوري آشور بانيبال العائدة للقرن السابع قبل الميلاد من بين آلاف اللوحات مجموعة من اثنتي عشرة لوحة كتبت عليها ملحمة جلجامش. 
وإن رواج ملحمة جلجامش في أيامنا هذه (وكانت إذاعة لندن تقدمها على حلقات أثناء كتابة هذا النص)، كما كان رواجها في العصور القديمة، يعود من دون شك إلى مزاياها الاستثنائية ومغازيها الانسانية وقوتها الدرامية، وهي من دون منازع من بين أجمل الأعمال الأدبية العالمية.
(وأجمل ما في هذه الملحمة أن بطلها جلجامش هو إنسان حقيقي يحب ويكره ويبكي ويتألم كما يسعد ويفرح وكما يأمل، فإنه يعرف اليأس ... فروح الصداقة ومعنى الاخلاص والانتصار والشهرة وحب المغامرة وإنجاز الأعمال البطولية والرهبة من الموت، والرغبة الملحة في الخلود، ذلك تتميز به ملحمة جلجامش، وذلك يعطيها نكهة درامية تتعدى المكان والزمان. ولا غرابة بعد ذلك في أن يكون لهذه الملحمة أثرها الفعال في أدب الملحمة القديم في أثينا وروما.). 
جلجامش الذي أبصر الأسرار وعرف الحنايا المكتومة أوغل في الأسفار البعيدة حتى حل به الضنى والتعب، فنقش على نصب من الحجر كل ما عاناه وما خبره.
للملحمة أبطال هم، مع جلجامش، انكيدو رفيقه، وغانية المعبد، وخمبابا وحش غابة الأرز المخيف، والثور السماوي الذي تنـزله عشتار لتنتقم من جلجامش الذي رفض حبها، واوتونانبشتم منقذ البشرية من الطوفان والذي كان يسكن مدينة شرباك، وصاحبة الحانة، وأورشنابي الذي يعبر معه جلجامش مياه الموت، وهنالك الآلهة، وهم الذين كانوا في القدم يشاركون البشر سكناهم في سومر.
في آخر الأسطورة، حين يجلس جلجامش إلى اوتونانبشتم ليشكو له همه، يقول له هذا الأخير:
متى بنينا بيتاً يقوم إلى الأبد ... متى ختمنا عقداً يدوم إلى الأبد
وهل يرتفع النهر ويأتي بالفيضان على الدوام ... إن الموت قاسٍ لا يرحم
والفراشة لا تكاد تخرج من شرنقتها وتبصر وجه الشمس حتى يحلّ أجلها ..

وفي روايته عن الطوفان يقول اوتونانبشتم:
هدأ اليم وسكنت العاصفة ... وغيض عباب الطوفان
فتحت كوة فسقط النور على وجهي ... ورأيت البشر
وقد استحالوا كلهم إلى طين

الكلمات التي في الملحمة تأسر القلوب. ربما هذا الأسر هو الذي جذب وليد عزت صوب تلك الآفاق البعيدة وجعله يقرأ، فأخذ ريشته وأخذ يبصر ويرسم، وكأن في ألوان مائياته الهادئة، وألوانه الباهتة، شيئاً من غبار الزمن والتاريخ، وكأن في طغيان الأزرق والأخضر ملامحَ من ألوان السماء والطبيعة، وهي من أكمل ما ترتديه ملامح أبطال الأساطير.
داود الصايغ

 
   السابق | التالي