مجلة الأسبوع العربي كانون الثاني 1972 مجلة الأسبوع العربي كانون الثاني 1972
مقتطفات مما كتب على الفنان وليد عزت مجلة الأسبوع العربي ، كانون الثاني 1972

إنطفأ في دمشق أخيراً الفنان السوري وليد عزت بعد مرض طويل. وكانت معارضه المتتالية دليلا على أصالة فنٍّ لم تمهله الأيام كثيراً ليتبلور وتتضح اتجاهاته
عندما رأيته لآخر مرة، قبيل الغروب في استراحة مرفأ طرطوس، قال لي إنه ينتظر اللحظة المناسبة لوضع اللمسة الخيرة لشمسٍ وهي تفارق الحياة. كان في منتهى الفرح، يفيض حيويةً وشباباً، وتتجلى أناقته المحببة بوضوح، وكان ذلك في الصيف الماضي، وقد اعتاد أن يقضي إجازاته في أماكن يختارها موسماً بعد موسم لولادة لوحات جديدة له، تعبّر عن الحياة، وتدل على مواطن الجمال في منطقة من مناطق وطنه، حتى ليمكن القول إنه أجرى مسحاً لمعظم المناطق السورية بريشته وألوانه.
بدأ هواية الرسم، منذ أن أجاد، وهو طالب ابتدائي. رسم الخطوط فكافأه المعلم ثم أخذ بيده وشجعه. وعندما أحرز الثانوية وانتقل إلى الجامعة، كانت أحلامه كلها تنصب على مزيد من إتقان تناسق الألوان.

وعندما سمعت صوته لآخر مرة على الهاتف قبيل شهرين، قال لي إنه مسافر إلى لندن، وإنه أعدّ العدّة لمعرضه الجديد - ورقمه الخامس - بين معارضه المتعددة، وسيعود بعد الاستشفاء لإتمام ما ينقص المعرض.
الفنان المقصود هو وليد عزت. جعل الرسم هوايته، وأعطاها معظم وقته. ولعل مئات اللوحات التي أنتجها تعطي الدليل على أن الرجل صاحب المسؤولية الكبيرة، لا يكاد ينتهي من عمله الرسمي، حتى يبادر إلى بيته ليمارس عمله الفكري. والبيت الأنيق الذي يضم الزوجة وولديه، والممتلئ باللوحات النادرة، يُشعر زائره بقدر اهتمام أصحابه بالفن، وما يتحلّون به من ذوق رفيع.

وعلى الرغم من أن الفنان يخصص غرفة لممارسة هوايته، إلا أن زائره يشعر وهو يرى في كل مكان أطباق المقوى مرصوفة بعناية، ووسائل التلوين الكثيرة وهي مبثوثة هنا وهناك، أنه يدخل محراب فنان، لا همَّ له إلا إشباع نهمه مما يهوى من عمل. أما أسرته فإن حبها لعمل رب العائلة لا يحول دون اهتمامها بالعلم، فتعكف الأم على تدريب الطفلين على دروسهما، بينما ينهمك الأب في عمله الفني، ويعطي بين الحين والحين ملاحظاته على سير الدراسة، أو يجيب على سؤال طرحه أحد الطفلين.
في أوائل الخريف الماضي شعر الفنان بآلام في عنقه ثم لمس ورماً في غدده. عالجه عدد من الأطباء، واحد منهم نصحه بالسفر إلى لندن لمراجعة طبيب أخصائي اشتهر بمعالجة آلام العنق. وسافر على مضض ليقضي ما يقرب الشهرين، ثم عاد يحمل عدداً من الأدوية والعلاجات والوصفات الطبية التي تحدد ما يجوز وما لا يجوز له تناوله من الأطعمة. الطبيب الإنكليزي الذي تولى علاجه لم ينسى أن يبدي له شكّه من أن يكون الورم في غدده وعنقه ناجماً عن السرطان، ولكنه بعد أن أجرى له الفحوص اللازمة طمأنه إلى عدم وجود المرض، والى أن شكّه لم يكن صحيحاً، وطلب منه أن يستعمل العلاجات الموصوفة على أن يعود إليه إذا شعر بالمرض. وعندما عاد كان الوهم من شك الطبيب قوياً، فراجع الأطباء المحليين، فنصحوه بالعودة إلى لندن بعد أن تأكدوا من أنّ الورمَ ورمٌ خبيث لا علاج له.

وهكذا عاد مرة أخرى إلى لندن ليستشفي من جديد بعيدا عن وطنه. ولم تمضِ بضعة أسابيع حتى تلقّى منه أصدقاؤه بطاقات تطمئن إلى تحسن صحته، وحتى تلقت منه أسرته كتاباً يحدّد فيه موعد عودته صباح اليوم الأول من العام الجديد 1972. 


كان معروفا بالصدق ودماثة الخلق ودقة المواعيد، وانتظر الجميع أن يعود في الموعد المحدد.  ولكن وليد عزت ... عاد قبل اثنتي عشر ساعة من الموعد المضروب.
عاد مساء يوم 31 كانون الأول بدلاً من صباح 1 كانون الثاني.
عاد في نعشٍ تحمله طائرة خجلى، ليتسلمه محبوه بلا روح، بعد أن قضى عليه المرض الخبيث.
مات الفنان في منتصف العمر في السابعة والثلاثين وهو نصف عمر المواطن العادي، وذلك لأنه لم يكن عادياً.
لم ينل فنان من عناية النقاد واجماعهم على تقريظ لوحاته ما ناله وليد عزت، فما من ناقدٍ شاهد معارضه، أو المعارض التي اشترك فيها، أو لوحاته قبل أن تعرض، إلا وكتب عنها وعن اتجاهات صاحبها مقدّراً جهده. ويعلل ذلك بأن الرجل اتّصف بخبرة واسعة نتيجةً لطول المدة التي أمضاها مع الألوان، ولكثرة التجارب التي أعطته الوثوق من اللون، حتى ليمكن القول أنه يطوّع الألوان للتعبير عما يريد، مما صيّره يملك التعبير، وفتح أمامه الطريق واضحاً.
وإذا كان في البداية قد أتقن رسم الوجوه، إلا أنه اتجه بعد ذلك نحو الطبيعة فاستطاع أن يعكس جمالها بدقة وبألوان هادئة وحية، وأن يجري معها حوارا جذابا يأسر المشاهد لأن الفنان كان يستعمل الألوان، ويناقشها بأسلوب خاص به وحده، وكأنه يحوّل صلف الألوان إلى علاقات طيبة فيما بينها، يجعلها أحلى على العين وأوقع في النفس.
طارق الشريف الناقد الفني، ومدير مركز الفنون التشكيلية، يقول عن الفنان الراحل:  (عرفته منذ ثماني سنوات عندما توليت إدارة مركز الفنون، وكان طالباً في المركز، حريصاً على الاستفادة من كل الأوقات المتاحة له لتعلّم الرسم. ولقد عرفت عنه أنه تلقى علومه العسكرية في الهند، وأتقن اللغة الإنكليزية تماماً، وعندما عاد انتسب إلى كلية الآداب ليمتّن لغته، كما انتسب إلى فرع الجغرافيا في نفس الكلية ليمتّن معرفته بالطبوغرافية. كانت إمكاناته رفيعة المستوى، إذ كان رياضياً ممتازاً في السباحة والجيدو - وهو رئيس اتحاده - والمنظم الرئيسي لهذه اللعبة في القطر السوري، مما انعكس بوضوح على لياقته الكاملة).
ويضيف طارق الشريف أن وليد عزت استطاع على كل أعبائه أن يبرع في لونٍ من الرسوم المائية، قلَّ من يجاريه فيها من حيث القدرة على استعمال اللون المائي، العصيّ على المعالجة، والذي لا يخاطر باستخدامه إلا كل متمكنٍ من التلوين، ومن الرسم بدقة ومقدرة.
إن الجانب البارز في شخصية وليد هو أنه يريد أن يتقن كل شيء يعمله وكل هواية يأنس بها، فقد كان يبحث في الكتب، ليجمع ما يُكتب عن هذا الفن، ويتطلّع إلى شروح أساتذة الرسم ويحاول أن يتعلّم كل شيء عن فنه، وكان يجرب كل خبرة يسمع أو يقرأ عنها، ويبذل الجهد ليصل إلى الكمال فيها ...

عباس الحامض

 
   السابق | التالي