مجلة الأسبوع العربي شباط 1970 مجلة الأسبوع العربي شباط 1970
مقابلات مع الفنان وليد عزت
مجلة الأسبوع العربي شباط 1970
وليد عزت يرسم بالماء الريف الدمشقي
خصص المركز الثقافي العربي بدمشق إحدى قاعاته الكبيرة لاقامة المعارض المؤقتة، وقد أقام الفنان وليد عزت معرضه الثالث في هذه القاعة، وكان قد أقام معرضه الأول عام 1967، والثاني عام 1969، فلقيا إقبالاً كبيراً يدل على ما يتمتع به فن الألوان المائية من تأييد لدى الجمهور السوري. والمعرض الحالي يضم 60 لوحة رسمت بالألوان المائية، قال النقاد عنها إنها جذابة في طريقة استخدام الألوان، وهي تحتل في معظمها المناظر الطبيعية، وقد استُوحيت من ريف دمشق، ودلّت على أن الفنان الذي رأى الجمهور أعماله السابقة، أصبح الآن قادراً على استخدام اللون بجرأة ودقة.
بعد انتهاء إحدى أمسيات المعرض، رافقت الفنان وليد عزت، إلى مرسمه وفي ذهني سؤال أريد من ورائه الوصول إلى فكرة واضحة عن تطوّر الألوان المائية، وهناك سألته:
- لماذا اخترت الألوان المائية لترسم لوحاتك بها ؟
:: الألوان المائية شفافة، حساسة، سريعة المعالجة، تظهر دقتها من اللمسة الأولى.
في جلسة واحدة أنت قادر على أن تضع في اللوحة ما تريد، ولا تحتاج إلى جلسات عديدة لترسم الموضوع وتزيده إتقانا، كما أنها لا تتطلب إلا أدواتٍ قليلة تحملها معك إلى الطبيعة.
- هل يعني ما قلته أن طبيعة الألوان المائية وخصائصها تتفق مع طبيعتك الخاصة ؟
:: هذا صحيح، يندر أن يلجأ فنان لاستخدام أسلوب ما أو مادة معينة دون أن يتفق هذا الأسلوب مع طبيعته. فمثلاً، الجرأة في وضع اللون دون تردد، قد لا يلجأ إليها فنان آخر، يفكر كثيراً في اللون الذي يجب عليه استخدامه. الألوان المائية تحتاج إلى جرأة لوضع اللون من المرة الأولى، وأنا أرتاح لهذه الميزة الرئيسية في اللون المائي.

ورحت استعرض معه في مرسمه نماذج من اللوحات المعروضة في المركز الثقافي، وأحاول أن أقارن بين ما يتطلّبه اللون المائي من جرأة، وبين إقبال هذا الفنان على الرسم بالألوان، فقد شاهدت من قبل عدداً من رسامي الألوان المائية، ولكني لم أشعر بأن الفن المائي يرتبط بشخص كما ارتبط بهذا الإنسان. في اللوحة لمسات لونية عفوية تماماً، توحي بالجرأة، على حين يبدو أسلوب الرسم، أو بناء الهيكل الرئيسي للأشخاص والمناظر مازال واقعياً، لهذا كان لابد من سؤاله عن أسلوبه، إذ لابد من أن هناك عفويةً في اللون، وهناك دقة واقعية في الخطــوط . اللون الذي يتحـرك بعفـويـــة وحرية، والرسم يبدو أكثر (محافظة) .

- لماذا اخترت الأسلوب الواقعي في الرسم ؟
يجب أن نُميّز في الحقيقة بين كلمة (رسم واقعي) وبين كلمة (رسم فوتوغرافي). الرسم الواقعي الذي نلجأ إليه ليس (فوتوغرافياً).
إنه أسلوب واقعيٌ متطوّر، فيه تجربة الفنان وشعورُه لحظة التعبير أو الرسم، لهذا يجب أن نُميّز بين هذين الأسلوبين أو الطريقتين، لنتمكن من تحديد الطريقة التي أستخدمها في رسومي. إنني أرسم بأسلوب واقعي متطور - إذا صَحَّ هذا التعبير.
- إنني متفق معك على أن أسلوب رسمك ليس فوتوغرافيا، ولكنَّ طريقةَ تناول الأشخاص تتّصف بأنها أكثر محافظةً من طريقة استخدام اللون. ألا تُميّز
في لوحاتك تحرراً في اللون، وتقيّداً من ناحية الخطوط .
فكيف يمكن أن نفسّر هذا ؟
::
اللون شيء ذاتي، وله علاقة مع النفس. حين تلجأ إلى لون ما تستوحي أحاسيسك، ولهذا يبدو اللون أكثر روحانية من الخط، وأكثر تحرراً منه. الخط يتعامل مع (الواقع)، واللون يتعامل مع (النفس). الخط يدرس الواقع ويلخصه، يعتصره ويختزله، لكنه يُعبّر عن المادة الموجودة أمامنا. أما اللون فهو في رحلة مع النفس والعوالم الذاتية للمشاهد والفنان، لهذا يبدو التعبير . (لونياً)... إننا نرى لوحات (رمبرانت) واقعية في طريقة رسمها، ولكن اللون هو الذي يعطينا عالم (رمبرانت) الخاص، هو الذي يعطينا فكره وذاتيته. التقسيم بين النور والظلام يُعطينا طريقة أخلاقية في رؤية الأشياء، وفي التعامل مع الحياة.

هكذا نستطيع أن نرى الفرق بين (اللون) و (الخط) لأن كل واحد منهما يُعبّر عن جانب من جوانب الحياة. يمكن القول إن ما قدمه وليد عزت في معرضه يتصف بخبرة مائية واسعة، نتيجة لطول المدة التي أمضاها مع الألوان المائية، ولكثرة التجارب التي أعطته الوثوق من اللون، وهو بعد ذلك، بارعٌ في خطوطه، يُعطي الشكل بقوةٍ وتحديدٍ صريح. وجمال ألوانه هو الذي يجعله فنان الألوان المائية المُعبّر الذي استطاع أن يجعل الألوان تحكي لنا أشياء كثيرة، والذي يمكن من القول أن عالم اللون عالم عجيب بسحره، لا يقدر على تحدّيه إلا مالك الموهبة والتجربة. الموهبة التي تعطيه (صلابة) الخطوط وقوتها، والتجربة التي تجعل أعماله تتطوّر يوماً بعد يوم.
وليد عزت خريج مركز الفنون التشكيلية وجامعة دمشق، وقد نال براءة تقدير من الدولة عقب اشتراكه في بعض المعارض المحليّة والخارجية.
 
   السابق | التالي