طارق الشريف طارق الشريف
من أساطير سومر وملحمة جلجامش
طارق الشريف مدير الفنون الجميلة , وزارة الثقافة
ملحمة (جلجامش) هي قصيدة شعرية عُثر عليها مدوّنة بالخط المسماري على اثنتي عشرة لوحة في مكتبة (آشور بانيبال) في العاصمة (نينوى)، ويعود زمن استنساخها إلى القرن السابع قبل الميلاد. تُعتبر ملحمة (جلجامش) دُرّةَ الانتاج الفكري لحضارة ما بين النهرين، وأقدمَ نموذجٍ لأدب الملاحم في تاريخ الحضارات القديمة. يعتقد المؤرخون أن هذه الملحمة، كغيرها من الملاحم، تعود إلى أكثرَ من مرحلةٍ زمنية واحدة، فهي نتاجٌ بابليٌ بخيالها ونصوصها، ولكنها تحتوي أيضاً على نصوص سومرية تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد. يُعتقد كذلك أن بطل الملحمة (جلجامش) هو شخصية حقيقية لملكٍ حكم بلاد سومر في الألف الثالث قبل الميلاد، وتميّز عن أقرانه بشجاعته ونجاح مغامراته. 
تتألف ملحمة (جلجامش) من حوالي 3500 بيت، وتقع في ثلاثة أقسام رئيسية.

يدور القسم الأول حول الأعمال البطوليّة لـ (جلجامش) ورفيقه (انكيدو) بينما يروي القسم الثاني قصة الطوفان العظيم وحصول رجل الطوفان على الخلود، أما القسم الثالث فانه يتعلق بمسألة الموت والعالم الأسفل. لقد نجح الأدباء البابليون إلى حد كبير في التوفيق بين القسم الأول والثاني، أي الجمع بين بطولات ومآثر (جلجامش) وبين قصة الطوفان التي تضمّنت من بين أشياء كثيرة سفر (جلجامش) بحثاً عن الخلود. أما القسم الثالث الذي يتعلق بنـزول (انكيدو) إلى عالم الأموات، فيُعتقد أنه عبارة عن ترجمة حرفية لقصة سومرية. لقد أعطت هذه الجذور القديمة السومرية لملحمة (جلجامش) أصالة عريقة، ويبقى إبداع الأدباء البابليين عظيماً، لأنهم استطاعوا أن يكسوا هذا الهيكل العظمي لحماً ودماً فجاءت الملحمة نتاجاً رائعاً، عريقاً في أصوله، جديداً في شكله ومضمونه.


تستحق ملحمة (جلجامش) أن تتبوأ مكانها في الأدب العالمي، لا لأنها سبقت الملاحم الهومرية بألف وخمسمائة سنة على الأقل فحسب، بل من أجل نوع القصة التي ترويها، فهي مزيج من المغامرة والمأساة والقيم الأخلاقية. إضافةً إلى ذلك، تُعد ملحمة (جلجامش)، من حيث أهميتها الإنسانية، قطعةً فريدةً في الأدب البابلي، ففيها يكون الإنسان - وليس الآلهة أو القوى الغيبية المجردة - هو الشاغل لمركز المسرح. كما أن (جلجامش) ليس أولَ بطلٍ بشريٍّ فقط، بل هو أول بطل يمثل الخوف من المستقبل ومحاولة التهرّب من الموت - الذي يُعتبر هو النهاية - عن طريق التمرّد عليه، فهو ليس مجرّد آلة في يد الآلهة تحركه بلا إرادة. هذه الملحمة تدور حول مشكلة الإنسان حيثما كان، وفي جميع العصور. الإنسان الذي يحتاج إلى الصداقة والحب، الرفقة والولاء، الحوافز الفرديّة والمغامرة، الخوف من الموت .. وحب الخلود، وتحدّي القدر.
لقد خيّبتٍ النهايةُ المحزنةُ للملحمة آمالَ (جلجامش) وبني البشر، فقد استأثرت الآلهة بالخلود، ولكنها قدّمت البديل للناس. فالعبرة التي نستخلصها من دراسة ملحمة (جلجامش) تكمن في تقبّل الموت كحقيقة، وفي التفاني في العمل الإنساني الذي يكون من أجل البشر، ومن أجل حياتهم الأفضل في المجتمع الدنيوي، وفي الابتعاد عن البحث عن الخلود، والإذعان للقدر، ومعرفة حدود الإنسان وإمكاناته.

رحلة وليد عزت مع ملحمة (جلجامش)
ربما كانت قراءة وليد عزت لملحمة (جلجامش) هي التي جعلته ينطلق في التجديد، فقد كان قد رسم مئات اللوحات المائية الواقعيّة والانطباعية، وتعرّف على المناظر الطبيعية التي تنوّعت مع تنوّع الطبيعة، كما رسم الوجوه المختلفة بالألوان المائية وقدّمها بجمال وشفافية. بهذا استنفد وليد عزت المواضيع الواقعيّة حتى شعر أن عليه أن يجدد موضوعاته، فبحث عن مضامين قادرة على تطوير فنّه نحو ما هو أكثر حداثة وتعبيرية. وبالفعل فقد وجد وليد عزت في شخصيات ملحمة (جلجامش) المادة التي يبحث عنها، كما أن الملحمة أحدثت عليه تأثيراً كبيراً، يُماثل تأثيرها على كتّاب الدراسات الملحمية.
يمكننا في استعراض مجموعة اللوحات أن نتابع الأساطير السومرية والبابلية التي تأثر بها الفنان. في البدء رسم وليد عزت قصة الخلق كما كتبتها الأساطير السومرية، فرسم (انليل) اله الهواء وهو يفصل السماء عن الأرض (من أجل أن يحدث كل شيء نافع) (اللوحة 1)، ورسم سفينة السماء التي ركبتها (أنانا) ملكة السماء العذراء قاصدة مدينة (آبزو) لتكثير الخير والرفاه (اللوحتين 2 و3)، ورسم تسليم (دموزي) الإله الذي يقبل الموت كل سنة (لكي يكون ربيع ولكي تكون خضرة) (اللوحة 4) ووقف مع شاعر سومري يتألم من المرض واليأس يتوجه إلى خالقه طالباً أن يتدخل من أجله (اللوحة 5).
رسم وليد عزت مجموعة لوحات مائية تُصوّر ملحمة (جلجامش) الكبرى بدءاً من البطل (جلجامش) الذي تبدو وراءه مدينة (أوروك) ذات الأسوار (اللوحة 6)، ثم رافق (جلجامش) و (انكيدو) في مغامراتهما وفي جميل صداقتهما (اللوحات 7-9)، وجهد مع (جلجامش) في تفتيشه المضني عن سر الحياة الأبدية (اللوحات 10-11)، كما رسم الطوفان وانحسار المياه (اللوحات 12-13). في النهاية يصوّر الفنان (جلجامش) في حضرة (أوتونانبشتم) منقذ البشر من الطوفان ومُرشده إلى عشبة الخلود (اللوحة 14).

كانت هذه المجموعة الفنية مفاجأة كبيرة، ففي الوقت الذي انحصرت فيه اللوحات المائية عموماً في منوّعات قليلة التعقيد، قام وليد عزت بمزج شفافية اللون مع ملحمية الأسطورة بإتقان، وعكست اللوحات قدرته المتميّزة على تطويع الألوان المائية للتعبير عن الموضوعات الدرامية والإنسانية.

وبالفعل فقد نجح وليد عزت في رسومه في تقديم نمط حديث وغير مسبوق من التعبير الفني ذو حضور متميّز يتجاوز كل ما قدمه قبل ذلك. لقد أدرك وليد عزت كمالاً لم يبلغه أحد قبله، ووصل إلى سر اللون المائي، كما أدرك أن اللمسة البسيطة قادرة على أن تعطي أقوى الانطباعات وأهمها.
قد لا يكون من الغريب أن أحداث ملحمة (جلجامش) قد ارتسمت على حياة وليد عزت، فقد شابهت رحلة الفنان وليد عزت الفنية رحلة البطل (جلجامش) الذي قَبِلَ أن يواجه التحديات الكبيرة - التي خُلقت فقط للمبدعين والأبطال - وحاول تحقيق الخلود عن طريق تحّدي القدر والبقاء في ذاكرة الناس، وكذلك فعل وليد عزت الذي أعطى في سنوات قليلة فناً متميزاً، انتصر فيه على الزمن المتغيّر فبقيت أعماله شاهداً لا يُمحى.
 
   السابق | التالي