الدكتور غازي الخالدي الدكتور غازي الخالدي
الدكتور غازي الخالدي مركز المعلومات القومي
تطور تجربة اللون عند وليد عزت
تعرّفت الحركة الفنية على اسم أحمد وليد عزت لأول مرة من خلال اشتراكه في معارض الدولة عام 1964 ومراكز الفنون التشكيلية ونيله الجوائز، الواحدة بعد الأخرى. وكبر اسم وليد عزت شيئاً فشيئاً حتى أخذ مكانه الطبيعي في الحركة الفنية كأحد روّاد التلوين المائي في سورية. 
مرّت تجربة وليد المائية بثلاثة مراحل أساسية:
أولاً:  مرحلة الانطباع والتسجيل.
ثانياً:  مرحلة التأمل وتجربة الحلول التشكيلية المتعددة. 
ثالثاً:  مرحلة الرؤية الشخصية والطابع المتميز. 

بدأت المرحلة الأولى عند وليد عزت كأيّ بداية لفنان تستهويه الألوان المائية بشفافيتها وبتداخل ألوانها .. وكانت أعماله عبارة عن انطباعات خاطفة لمنظرٍ ما في الطبيعة، ينقله بأسلوب المحاكاة المباشرة للرؤية العادية، فكانت أعماله الأولى أقرب إلى التسجيل منها إلى البحث الفني والتقني الشخصي.


كانت هذه المرحلة هي أساس انطلاقته، فقد أسرته الطبيعة، وشدّته ألوانها المختلفة التي أصبحت تنعكس في ألوانه المائية ..
استهواه لون الأشجار المتبدّل من فصلٍ إلى فصل، ومن موسمٍ إلى موسم, فراح يتتبع تطوّرات الطبيعة، محاولاً أن يسجّل الإحساس الذي تعطيه الطبيعةُ له للوهلة الأولى وبأسرع ما يمكن، وهذا ما أعطى تجربته الأولى التقنية الانطباعية (التأثرية)، لأنها كانت تهتم بالضوء واللون بشكل خاص، دون أن يُرافق هذه العملية بحث تشكيلي جاد، أو تقني خاص. لم يتعمّق وليد في هذه المرحلة باللون، كأن اللون عنده هو الذي يراه للمرة الأولى، ولذلك أسمينا هذه المرحلة بمرحلة (التسجيل الانطباعي). امتازت هذه المرحلة أيضاً بغزارة العطاء، فراح يرسم باستمرار وينتقل من قرية إلى قرية، ومن حي قديم إلى آخر بلا هوادة، ليرسم كلَّ ما تقع عليه عينه ..
رسم وليد عزت الشارع والشجرة والبيت العتيق .
أحب الطبيعة حباً حقيقياً أصيلاً، وراح يتصيّد القِيَم الجمالية التي تهز وجدانه من الأعماق، وهذا ما يكشف عن جانب من نفسيته، فقد كان مُغرماً بالأشياء الصغيرة التي تعطي النفس سعادة كبيرة، وهذا ما كان يظهر واضحاً في لوحاته الأولى. أما من الناحية التقنية فقد استعمل وليد عزت اللون والخط معاً، دون أن يتجاوز أحدهما الآخر، معتمداً على الخط كهيكل أساسي للوحة. لكنَّ الخط لم يكن في هذه المرحلة متماسكاً راسخاً، بل كان مرتعشاً، فيه بعض التردد، يعكس الشعور برهبة الطبيعة وسيطرتها عليه، وكانت الألوان التي استعملها متكررة ومتقاربة.
فعلى صعيد المثال، لوّن وليد الشجرة باللون الأخضر الفاتح والغامق فقط، وأعطاها من اللوحة حيزاً لونياً فقط، وليس حيزاً مبنياً على أساس الكتلة، أو على أساس قيمتها كمساحة بالنسبة لبقيّة أجزاء التكوين.
لذلك نلاحظ أن الشجرة أو الجبل أو الطريق أو جانباً من البيت العتيق الذي يرسمه وليد لم يكن ليأخذ قيمة محددة من الناحية التشكيلية، فقد تكون الشجرة هي كل شيء في الصورة، دون أن يكون هناك عنصر آخر من بيت أو جبل أو طريق يفيد في تحديد التوازن أو التعادل التشكيلي في الطرف الآخر.يعني ذلك أن مفهوم (الأبيض والأسود) في تحديد التوازن التشكيلي للّوحة لم يكن قد أخذ أبعاده الكاملة في لوحاته الأولى. فكما فعل الانطباعيون في ثورتهم على فن (المراسم)، خرج وليد عزت في أعماله الأولى إلى الطبيعة، وانطلق إلى الرؤية المباشرة والإحساس الأول الذي تعطيه الطبيعة له.
المرحلة الثانية كانت مرحلة التأمل وتجربة الحلول التشكيلية المتعددة. استفاد الفنان وليد عزت من معارضه المتتالية، التي أتاحت له فرصة التعرّف على المشاكل التي يجب تداركُها في لوحاته، وذلك من خلال آراء الناس والنقاد والفنانين. بدأ وليد عزت يتوسّع في تجاربه، فمرة نرى الخط هو الأساس في لوحته، ومرة نرى اللون يتحرك وحده وبدأت لوحات الوجوه تظهر للمرة الأولى. 
لا شك في أن رسم الوجوه بالألوان المائية هو تحدٍ كبير، يتطلّب المران والخبرة والجرأة، فاللمسة المائية لا يمكن تعديلها أو تغطيتها بأخرى، وذلك بسبب شفافية اللون المائي. لكن وليد لم يكتفِ بالتغلّب على هذه الصعوبة التقنية فقط، بل تجاوزها ليتحرّر من العديد من المفاهيم التقليدية. لم يعد همّه الأول هو تحديد الأشكال والتفاصيل الجزئية، بل راح يركّز على أحاسيس الشخص المرسوم ويعطي الأهمية للجوّ العام .. وهذا بالضبط ما جعله يحقق الانتقال من مرحلة التسجيل والمحاكاة، إلى مرحلة التأمل الإنساني في الأشكال التي يرسمها.
كان وليد عزت يرسم بسرعة، وبكثير من التركيز على اللون الذي بين يديه.
بدأت الرماديات تظهر في لوحاته بشكل خاص، ثم يعود إلى تضاد الألوان الحارة (الأوكر، الأحمر) والباردة (الأزرق، البنفسجي) والحيادية (الأسود، الأبيض، الرمادي)، وهذا ما ظهر بشكل خاص في لوحات معرضه الثاني. إضافة إلى ذلك فقد ساعده اعتماده على تضاد الألوان تشكيلياً، فقد بدأ (الفورم) يعود إلى عناصره، وبدأت الحجوم تظهر، خاصة في رسوم الوجوه.

في المرحلة الثالثة، مرحلة الرؤية الشخصية والطابع المتميّز، سيطر وليد عزت على خامة الألوان المائية، وتمكّن من تحريكها بسرعة ورشاقة، وأعطاها بعداً هاماً من خلال تلوين الظل الذي يساعد على تأكيد الكتلة.
أصبح وليد عزت يرسم باللون المائي بنفس البساطة والعفوية التي يتكلم بها، وظهرت ثقته بنفسه بشكل واضح في آخر أعماله، وفي معرضه الرابع بشكل خاص.
من أهم الظواهر التي ميّزت فن وليد عزت في آخر أعماله هي تلوينه للظل، فلم يعد الظل عنده مجرد لون قاتم، بل أضحى ذا لون مستقل ينبع عن انعكاسات ما حوله، وفقاً لنظرية التضاد بالألوان، فظل الأخضر هو الأحمر وظل الأصفر هو البنفسجي، وهكذا أصبح الظل كياناً خاصاً يساعد على تأكيد (الفورم) بأسلوبٍ مشابهٍ لذلك الذي كان (سيزان) أول من استعمله.
ربما كان أهم ما في تجربة وليد عزت في مرحلتها الأخيرة هو المحافظة على حيوية اللون. فلم يعتمد وليد عزت على مزج الألوان معاً على (البالتية)، ثم نقل اللون الجديد المركب إلى اللوحة، بل أجرى تداخلاته اللونية على سطح اللوحة مباشرة أثناء الرسم. سمح وليد للألوان المائية أن تتداخل مع بعضها، دون أن يُفقد اللون الأصلي كيانه ووجوده على اللوحة، فيمكنك أن ترى اللونين الأحمر والأزرق كلٌ لوحده، وبنفس الوقت ترى اللون البنفسجي الذي جاء نتيجة جمع اللونين معاً. أعطى وليد بذلك لوحاته إحساساً عميقاً بشفافية الألوان، وبقدرته الخاصة على أن يسمح لكل لون بأن يحافظ على كيانه وشخصيته وحيويته، وعلى دوره الجمالي في اللوحة.

لقد استطاع وليد في أعماله الأخيرة أن يُعطي خامة التلوين المائي بُعداً هاماً هو التأكيد على الكتلة، وذلك من خلال تلوين الظل الذي يُساعد على تأكيد الكتلة، دون أن يستخدم اللون الميت الذي لا هوية له، كما حرّك ألوانه ومزجها بحيث حافظ على حيويتها وعناصرها ضمن المساحات الكبيرة. 

لقد دلّت هذه التجربة الفنيّة الغنيّة في مراحلها المتتالية على تمكّن وجرأة أعطياها رؤية شخصية وطابعاً متميزاً، فاتخذت في مراحلها الأخيرة أسلوباً خاصاً به هو (أسلوب وليد عزت).
 
   السابق | التالي