الدكتـور عبـد العـزيز علـون الدكتـور عبـد العـزيز علـون
استاذ لغة الفنون الجميلة وعلم المصطلح الفني , جامعة دمشق
وليد عزت الانسان , بطلا وفنانا

وُلِدَ الفنان وليد عزت في عام 1934 في دمشق وعاش فيها إلى أن أُسقطت فرشاة الألوان المائية من يده في عام 1971 مخلفاً وراءه كنزاً من الأعمال الفنية النادرة التي تؤرّخ لإبداع وموهبة أصيلة.
وقع وليد عزت في حب وطنه، فانتسب الى الكليّة الحربيّة وتخرّج منها في عام 1954 ضابطاً في سلاح المدفعيّة، وكان موضع محبة زملائه في الكليّة واحترام مدربيه. إندفع وليد عزت في صفوف القطع العسكرية المحاربة وأقدم على تحمّل المسؤوليات الجِسام دون تهوّر، كما شق طريقه بسرعة عبر مراتب قيادة سلاح المدفعيّة بعد أن أثبت أنه مقاتلٌ بطل ومدربٌ ممتاز في هذا السلاح، إلى أن أصبح رئيساً لأركان سلاح المدفعيّة في الجيش العربي السوري. وكان أكبر عطائه في أعقاب حزيران 1967 عندما خاضت القوات السورية حرب الاستنـزاف الطويلة المضنية، والتي مهّدت لها الطريق وهيأتها للنصر في عام 1973.

وخطا البطل وليد عزت في مجال الرياضة الفنية الحديثة خطوات مثيرة للإعجاب، فقد استطاع أن يُطوّع جسده وعقله في رياضتي الجيدو والكاراتيه كما فعل في رئاسة أركان المدفعيّة، وتقدّم بهما أيما تقدم حتى نال الحزام الأسود في كلٍ منهما. هذا الأمر الذي أوصله في عام 1970 إلى رئاسة إتحاد رياضة الجيدو في الوطن.
لم يكتفِ الشاب وليد عزت بنشاطه الجسدي الخارق وتدريباته التقنية العالية، بل وجد متسعاً في فترات استراحاته القصيرة فانتسب إلى فرع الجغرافيا في كلية الآداب الجامعة السورية بدمشق ونال في عام 1963 درجة الاجازة وجمع معها تفوّقه في العلوم العسكرية الحديثة

حيث رحل إلى الهند وعكف على تحصيل العلوم العسكرية المتطوّرة في كليّة Wellington الشهيرة وتخرج منها في عام 1962.
عرفتُ الشاب وليد عزت شاباً ملأ الرضا والحبور قلبه، وفاضت على وجهه ابتسامات رقيقة، كان يوزعها فيضاً غامراً على الصحبِ من حوله، وقد ملأت القوة والعزيمة صدره العريض، وفتلت عضلات ساعديه وساقيه، وشدت له بحزم أربطة بطنه وجذعه. كان متفوقاً في قيادة جماعات المدفعية في المهمات الصعبة، وكان بطلاً في محبته لوطنه في تلك الأيام القاسية والشاقّة. حاول وليد عزت أن يطوي العمر ويُطوِّع الزمن، واعتاد أن يعيش ساعات عمره طولاً وعرضاً، فإلى جانب التدريب العسكري كان التدريب في الجيدو والكاراتيه، وإلى جانب العلوم العسكرية والرياضيات والفيزياء في الكليّات العسكرية كانت الخرائط والمُصوَّرات والعلوم الجغرافية يلتهمها هذا الطالب النجيب ويحشو في قلبه النابض آفاقها الواسعة، وهو لا يهدأ أو يستريح حتى يتفوّق على مدريبه ويسبق أقرانه.
ولم يكد وليد عزت ينتهي من كلية الآداب وتطبيقات علومه العسكرية حتى أقبل على هواية جديدة راحت تحرمه من رُقاده، فقد انتسب إلى مركز الفنون التشكيلية في دمشق وراح يداوم في جمعية أصدقاء الفن والتزم فيما بين عامي 1963 و 1967 بالمواظبة على المركز الذي حمل فيما بعد اسم الفنان أدهم اسماعيل.
تعلّق وليد عزت بالتصوير وأُعجب بالألوان المائية لأنها كانت مادة سريعة في تعبيرها ومكّنته من استكمال لمساته الفنية في جلسة واحدة، فتمنطق بأكبر علب الألوان المائية وراح يرافق زملاءه المصوّرين الشباب في رحلاتهم عبر الطبيعة المحيطة بمدينة دمشق. لقد نوّع زملاؤه وغيّروا في وسائلهم، لكن هذا الفنان الجديد التزم بالتعبير بواسطة الألوان المائية حتى تفرَّد في مجاله وبزَّ من عداه من الزملاء والأصحاب، وقوَّم وسائله في التعبير السريع، حتى أصبحت لوحاته المائية لازمةً لا غنىً عنها في المعارض الرسمية والعامة إعتباراً من عام 1964.
تشجّع الفنان الجديد فالتفت إلى إقامة معارض فردية لأعماله تابعها الجمهور الذوّاق في الأعوام 1967، 1969، 1970، 1971، ونال في عام 1968 براءة تقدير من وزارة الثقافة السورية تقديراً لفنّه، واقتنت وزارة الثقـافة والمتحف الوطني بدمشق وأصحاب المجموعات الخاصة أعمالاً متميزةً له.
ويمكن لمن يستعرض أعمال الفنان وليد عزت بمجموعها أن يُلاحظ أن المزاج والإنتاج الفنّي شكّلا محور حياته، فهو لا ينفكُّ يرافق زملاءه في المركز، ويرافق أصحابه في جمعية أصدقاء الفن في معظم أيام الأسبوع وطيلةِ أيام العطل والجمع، ثم يعود إلى منـزله ليتدرّب على نسخ بعض روائع ريمبراندت وروبنـز وبعض المعلّمين الكبار بقصد اختبار دراسة الظل والنور. استمر وليد عزت في تطوير لوحاته ومسوداته، وعكف على تطوير دراساته التي راح يوضح بها فقرات ملحمة جلجامش الرافديّة الخالدة، كما راح يُسخّر قدراته لتصوير الوجهيات والأجساد الحيّة عندما تسنح له الفرصة ولو بشكل عارض، كما فعل عندما ذهب إلى لندن من أجل العلاج، فركض في استراحاته القصيرة نحو الأكاديميات الحرّة ليتدرّب على الرسم بالقلم الرصاص.
والحق يُقال إن الفنان وليد عزت قفز خلال السنوات الأربع الأخيرة (1968 - 1971) من حياته القصيرة قفزات كبيرة، فطوَّر أداءه المباشر في تصوير الطبيعة والوجوه بعفويّة وحريّة وسرعة تشير إلى وصوله إلى قدرة فنان مُتقِن وصاحب موهبة غنية وتقانة تمرَّس بها فأطاعته. لقد تمكّن العقيد الركن والبطل صاحب الحزام من تطوير أسلوبه الواقعي المُميَّز السريع الأداء والمباشر التعبير، ذي اللمسات العفوية والموجزة.
لكن القدر المحتوم فاجأه في لندن وقطع عليه طريق الإبداع والبطولة. صحيحٌ أن القائد الشاب والبطل الجسور والفنان المتميّز قد أنجز الكثير مما نفخر به،
وما تزال حركتنا الفنية تهنأ به وتذكر وليد عزت بكل خير وتفوّق ولكنه أُسقطَ في أيدينا عندما نَفَذَ قضاء الله ولم يعد بمقدور وليد عزت أن يزيد بعد 1971 على ما أعطاه. لقد اختصر البطل الزمن وضاعف عطاءاته في عمره القصير، وانكبَّ على الألوان المائية الشفافة فأودعها لواعج نفسه المشبعة بحب الحياة والتفوّق.
لا شك أن سيرة الرجل كانت أغنية فرحٍ قصيرة، ولا شك أن الفنان والبطل قد أرهقا الحياة بالعطاء خلال سنوات وجيزة فعاقبته الحياة على تجاوزها في سنوات قليلة واختصارها.
حاول الوطن إعلان اعترافه بجميل ما قدَّم الراحل، فنظّم الفنانون في سورية معرضاً تحيةً له في عام 1972، وأطلقت وزارة الثقافة اسمه على مركز الفنون التطبيقية في دمشق، وأقامت وزارة الدفاع حفلاً تأبينيّاً له في عام 1973، وأُطلق اسمه على مدرج المحاضرات الرئيسي في النادي الجديد لضباط حامية دمشق. شكّلت وزارة الدفاع في عام 1973 لجنة خاصة لتخليد ذكراه فأصدرت له مجموعته الجميلة جلجامش كتابةً وتصويراً مائياً
وعُقدت بطولة وطنية لألعاب الجيدو تحيةً له في ذات العام، وأطلقت محافظة مدينة دمشق اسمه على شارع رئيسي في المدخل الغربي للمدينة. عُرضت مجموعة لوحات جلجامش في باريس في عام 1979، وسُجّلت سيرته في كتاب أعلام سورية في القرن العشرين، كما سُجّلت في مركز المعلومات القومي.
لقد رحل وليد عزت الانسان في عام 1971 إثر مرض عضال، ولكن الذكريات الطيبة للبطل والقائد والفنان ما تزال تُزيّن حياتنا وتُشجعنا على أن نقتطف مما رسم ولوّن واجتهد، وندفع إلى الجمهور الذي تعلّق به هذه الصفحات الفنية كي يستمر اسم الفنان المُبدع مكتوباً في قلوبنا.
 
   السابق | التالي